فوزي آل سيف
70
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
يفترض أن جواب العقلاء سيكون؛ إن التعرف على شخص يتم بواحد أو أكثر من الوسائل والطرق التالية: الوسيلة الأولى: التعرف عليه من خلال كلماته، فإن كلام الإنسان في الغالب يعبر عن ثقافته ونظرته للحياة ومعارفه عنها، وربما كان شارحاً لطريقة حياته أيضا.. إن الاستماع إلى كلام شخص يحدد عادة مستواه العلمي والفكري، ويبين للمستمع عقائد المتكلم ورؤيته. وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام «تكلموا تُعرفوا فإن المرء مخبوءٌ تحت طي لِسانه». الوسيلة الثانية: هو أن نذهب إلى أهله وأسرته والقريبين منه، لكي ننظر كيف كان معروفا في أهله؟ وبأي الاتجاهات يذكرونه، فإن الأسرة عادة تكون أقرب الناس إلى أفرادها، وبالتالي أعرف الناس بهؤلاء الأفراد نظراً لطول الخلطة والمعاشرة. فإذا صدَقوا السائلَ القولَ فإن بإمكانهم أن يعطوا رؤية واضحة وصورة حقيقية عن الشخص المسؤول عنه. الوسيلة الثالثة: أن نرى سلوكه في حياته، ماذا كان يعمل؟ ومن كان يوالي ويسير في ركابه ومن يتبرأ منه وينفصل عنه؟ ما هي أعماله؟ هل سيرته سيرة صالحي الناس أو الفاسدين منهم؟ بماذا يتمدح ويفتخر؟. الوسيلة الرابعة: من الخطأ أن نحاول التعرف عليه من خلال كلمات أعدائه ووصف خصومه فإنهم في العادة لا ينصفون من يعاديهم إلا أن يكون هؤلاء الواصفون معصومين أو عدولاً لا تأخذهم العواطف جانب الحيف والظلم وأن يصفوه بما ليس فيه! هذه الوسائل التي ذكرناها لا تختص بشخص دون آخر ولا فترة تاريخية دون غيرها، وإنما هي طرق عقلائية يسلكها–كلها أو بعضها–العقلاء في كل الأزمنة للتعرف على الأشخاص. ولو أردنا تطبيقها على التعرف على شخصية أبي طالب بن عبد المطلب عليه السلام لوجدنا محصلة ذلك أننا أمام رجل هو شيخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله والمتقدم عليهم في المنزلة بل له الفضل على أوائلهم بحمايتهم وحماية دعوة النبي ورسالته، وهؤلاء لهم الفضل على المتأخرين من الأصحاب. فهلم عزيزي القارئ لكي نتعرف عليه بخطوات الطريقة العقلائية التي ذكرناها مع ملاحظة أننا سنذكرها بنحو الاختصار والسهولة: أما الوسيلة الأولى وهي التعرف عليه من خلال أقواله، فإن أقوال أبي طالب نثراً وشعراً [133] تعرب عن إيمانه، والشعر فيه اغلب لأنه يعد من الشعراء الكبار في قريش كما ذكر ذلك وأشار إليه غير واحد من المؤلفين وأكبروا شعره في فخامته وقوته: فمن قوله[134] مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وآله:
--> 133 قد يكون لهذا السبب وغيره نقل عن الإمام الصادق عليه السلام قال كان أمير المؤمنين عليه السلام يعجبه أن يروي شعر أبي طالب عليه السلام وأن يدون وقال: تعلموه وعلموه. 134 يلاحظ القارئ أنني هنا سأعتمد اعتمادا كاملا على العلامة الأميني رضوان الله تعالى عليه في كتابه الغدير ج 7 الذي أربى فيه على الغاية وجاوز حد النهاية في إنصاف عم النبي وأب الوصي، وتتبع بما لا مزيد عليه مشيدا ما أراد لبنة لبنة حتى جاء كما يحب، ومع علمي بأن من أصول التوثيق الرجوع إلى المصادر الأولى، وعدم الاكتفاء بما نقل عنها، لكني لم أفعل ذلك مع تيسره وسهولته لا سيما في النسخ الالكترونية للكتب، فآثرت الاقتصار على ما نقله رحمه الله في الغدير، تقديرا لجهده وتأكيدا على أهمية الكتاب والرجوع إليه، وثقة بدقته وأمانة نقله.